خليل الصفدي
363
أعيان العصر وأعوان النصر
وكان قد فوّض إليه الأمير سيف الدين أيتمش النظر في أمر الجامع الأموي ، فاسترفع حساب المباشرين ، وتعب في أمره ، وتولى أمره بنفسه ، وفي ضمن هذا ورد المرسوم بطلبه إلى مصر في يوم الخميس الثالث عشر من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة ، فتوجّه إلى القاهرة ، وأقام بها قريبا من عشرة أيام ، ونزل به الأمر الذي وجب ، وحل به القضاء المكنى أبا العجب . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في إحدى الجماديين من السنة المذكورة ، وكان قد أشيع أنه طلب للوزارة . 781 - شيخو « 1 » الأمير الكبير الأتابك سيف الدين الناصري . هو غير الأول ، ومن صرح سعده وما تأوّل ، وثبت سؤدده وما تحوّل ، وكاد يكاثر أمواج البحار الزاخرة بما ملك وما تخوّل ، وصدق الملك في أمره وما تقوّل ، وكان قارون عصره ، وعزيز مصره ، وصاحب العقد والحل ، والنقض والإبرام فيما حرم وما حلّ ، وكانت الأمور به ماشية ، والخيرات فاشية ، وعيون حساده بأنوار سعوده عاشية : تعود على الدّنيا عوائد فضله * فأقبل منها كلّ ما كان أدبرا بحلم كأنّ الأرض منه توقّرت * وجود كأنّ البحر منه تفجّرا فقوي بذلك حزبه ، وأضاءت في الآفاق شهبه ، وأنشأ خلقا كثيرا ، وجعل في كل مملكة غير واحد أميرا ، وأراهم من إحسانه ، وخلعه جنة وحريرا ، فكبر نوّابه في البلاد وكثروا ، وجروا طلقا في ميادين سعودهم وما عثروا . ولم يزل على حاله ، إلى أن جرعه الدهر بغدره الأمرين ، ونكد عيش جماعة كانوا على ملازمته مصرّين ، فجرح جراحة لم تندمل ، وجعلت كل عين عليه بالدموع تنهمل . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في ليلة الجمعة السادس عشر من ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وسبعمائة . كان قد حظي عند الملك المظفر وزادت وجاهته ، حتى شفع في الأمراء إخوة يلبغا وفي الأمير عزّ الدين طقطاي الدوادار ، وأخرجهم من سجن الإسكندرية ، ثم إنه استمر في دولة الملك الناصر حسن أحد أمراء المشور في اخر الأمر ، كانت القصص تقرأ عليه بحضرة السلطان في أيام الخدم ، وصار زمام الدولة بيده ، وساسها أحسن سياسة بسكون
--> ( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 2 / 1950 ، الوافي بالوفيات : 16 / 211 ، البداية والنهاية : 14 / 258 ، النجوم الزاهرة : 10 / 324 ، شذرات الذهب : 6 / 183 ، المنهل الصافي : 6 / 257 ، تذكرة النبيه : 3 / 204 .